-->

تعليم

{"widgetType": "right post text","widgetLabel": "تعليم","widgetColor": "#CF000F","widgetCount": 6}

فهرس النساء (هزيود)/مؤارخة الأسطورة و احالة الأسطورة والفلسلفة الى تاريخ


فهرس النساء (هزيود)/مؤارخة الأسطورة و احالة الأسطورة والفلسلفة الى تاريخ


العقيد بن دحو



فهرس النساء/دليل النساء manage des femmes ( Γυναικν κατάλογος/Gunaikn catalogos)/Catalog des femmes/جينيكون كاتالوغوس) , ملحمة شعرية تعود للشاعر الهوميري الإغريقي هزيودوس او هزيود.

شاعر تضاربت فيه الأقوال والدراسات , في هويته وتواجده من عدمه , وفي اشعاره ايضا. وبالمقابل هو شاعر استطاع أن يكافئ أشعاره افكاره , كان في مقدوره أن يكون الشاعر الملهم الحالم , والمفكر الفيلسوف , والمؤرخ الموثق المحقق , والجندي المقاتل المكافح في ساحات وغى الحياة , مناضلا متعاضدا مكافحا جنبا الى جنب المطحونين والمنكودين والمعوزين , الفلاحين والمزارعين , والمهمشين من بني جلدته ومن ظلم وجور الإله لأخيه الإله , وللبطل لأخيه البطل , والإنسان لأخيه الإنسان.

وبقدر ما ولدت قصيدنه الملحمية الرائعة (فهرس النساء اشتاتا وعبر مجرى التاريخ كتحفة فنية نادرة لا تقدر بثمن , ايضا تم لم انقاض الشاعر الملحمي من الشتات الثقافي , ومن رميم تغيرات و وتحولات الأحقاب التي مست الزمان والمكان والانسان. حتى قيل : الشاعر هو نفسه الفهرس , وبالتالي لا يحتاج الى شجرة ميلاد نمطية تسرد سيرة ذاتية نمطية بالغالب ما تتغذى على الإضافات والتراكم.

وحده هزيود فاز وتوج بتاج الخلود , وحمل الكون والعالم بأكمله بدماغه : حلما وكلمة وفكرا وفعلا , فنا وفلسفة وتاريخا وحياة ايضا.

استخدم الفن وخلق الأسطورة/الخرافة وجعل منها كل هذه القيم , كما جعل من هذه القيم اسطورة , أحال الفن الى الفلسفة والفلسفة الى تاريخ متى وضٌح كل شيئ.

- في البداية تكوّن الكون :

لا تحبب الأغارقة الكلمة : " في البدء كانت الكلمة " كونها من التوراه (توراتيه) . بل ما كان يليق بالإغريق الكلمة (الهزيودسية) : " في البدء تكوّن الكون " !.

الكلمة , لها بعد نظر , لكنها عضوية مرتبطة ارتباطا شاملا بالشاعر ذاته وبما يحيذ به من واقع وغير واقع , من معقول ولا معقولا وما بينهما , معقولا ولا معقولا ايضا. تشعر منذ البدء بأنه وٌولد ولادة مبكرة , بل حتى قبل هوميروس , ينتمي دائما الى عصر الأبطال كما كان يحب العصر الذي كان ينتمي اليه , يخطو بالنهر مرتين !.

- غنوا الآن يا قبيلة النساء

يا ذوات الصوت العذب

ياجميلات (الأولٌمب)، بنات الأله زيوس

إنهن أفضل نساء عصرهن .

غنوا...قبيلة....نساء....الصوت....جميلات....(الأٌولٌمب)....(زيوس)

كلمات تقوم بدور الإيحاء , تعني اللفظة الأولى . فالكلمات هي التي تسير الانظمة اللاهوتية وتنظمها.

وبينما كان الشاعر منهمكا في صنع اسطورة ميراث الأجيال آلهة عن إله - الخرافة ميراث الفنون - كان في نفس الوقت يصنع أسطورة البشر , انساب او كاتالوج او دليل او جدول النساء , ومن دون أن يدري يصنع اسطورة فنان. هو الفنان ذاته, المبدع المحترف , الشاعر الفلاح , الشاعر الموسيقي , والشاعر المغني , الشاعر الفيلسوف , والشاعر المؤرخ المقاتل., مكتشفا عن اللغة الأخرى الذاتية الحقيقية او أسطورته, اللغة التي يوقظ بها الشاعر ما أطلق عليه النقاد: " كلية الحلم الكبير " .

إذ تصير الكلمات بدورها أساطير , بمعى أكثر حقيقة من تلك التي تدل عليها او الأفكار المعبر عنها. ليصبح بالأخير ( الفهرس) , فهرس النساء نوعا من انواع تنظيم الكلمات , حتى توشك ان تصير فهرس النساء هي ذاتها فهرس الكلمات !.

لايمكن فهم ومعرفة شعر وفكر هزيود دون المرور على شعر وفكر هوميروس , ولو انهما من اسلوبين ومنهجين وعصرين مختلفين , او تشابه مع الفارق.

لا يمكن فهم وفك اسرار سر وسحر ثلاثية هزيود في : ( " Theogonia "/او انساب الألهة - فهرس النساء - الأعمال والأيام) دون الإطلاع على ملاحم هوميروس ولا سيما في الثنائية : (الإليادة - الأوديسا).

والضد بالضد يفهم , وحدهم النقاد والقراء من جعلا الشاعرين على طرفي نقيض, وعلى كفتي ميزان واحد , وعلى دفتي مركب واحد وسط اهوال من الأمواج العاتية, قلما ينجو منها مبحر ماهر فارس.

كان لا بد ان نمر على هذه المقارنه , ليتأكد للدارس مدى تقدم الشاعر الملحمي هزيود من شعر الى شعر , ومن ملحمة الى أخرى في اللغة وبالأسلوب فحسب , بل على مستوى قوة الفكرة , قوة الخيال.

اذ لا يمكن فصل الفن عن الفلسفة عند هزيود , حين لجأ الى الخلق , عوالم و أكوان أخرى متداخلة , لمعايشة قوى الطبيعة مع الانسان , وحين نفخ في الخوارق والصواعق انفاسا علوية مقدسة , تفوق قواها وقدرتها وطاقتها قدرة وطاقة البشر.

وبالتالي لم يستطيع هزيود أن يعزل نفسه ويستقل استقلالا عما أنتج و أبدع. بل لم يستطيع أن يخفي (فردانيته) وشخصانيته في جل المواضيع التي تطرق اليها

: (الأنا - الأد) في استغلال ظرف تواجد انصاف الألهة او الألهة بالمرة.

لا ليعبر ويسرد لنا جدولا او مسردا او فهرسا او كتالوعوسا للنساء جسدا بلا روح ولا نفس ولا عقل , كما كان يفعل الكثير من أهل العواطف والغزل بشقيه : العفيف والفاحش , والطبيعة ونظام راشدين , و أشباه المتعاطفين . انما نساء كاملة الشجرة حسبا ونسبا وعقلا وعاطفة وانسانا , أين تكون المرأة الذات الشعرية المبحوث عنها , فقيدة الرجل , وحتى ان حاول العثور عليها ويلقي عليها القبض تتحول فجأة عناصر حياة , بل عناصر كون. ان لم تتحول الى أسطورة من جديد.

المرأة الانسان , وانسنة الانسان , ضمن أكبر مجمع كوني/ـو قربى نسائسة/او مصلى نسائي وليس قربنا نسائيا - في البداية تكون الكون - ملحمى خاصا بها او (بهن) , أصل الألهة , ونظام الكون , من أجل نزعته الشخصانية/الفردانية , حين وصف حالته :

بينما كان يرعى الغنم عند أحد سقوح جبال (الهيليكون) , فإذا أوحي إليه , و أٌلهم اليه الإلهام , وأٌوحي اليه من لدن ألهة الفن (ميزيس), منحته اكليلا من الغار وصولجانا من الإلهام. فأنتقل على اثر الحادثة من حرفة رعي الأغنام الى مهنة الزراعة ( الحرفة - المهنة) , ومن خلال هذا (النقل) و (التحول) نظم , وغزل , ونسج خيوط أمهات وبنات حلم وكلمات وافكار وافعال هذه الملاحم الخالدات التي قاومت بدورها الزمكان ووصلت الى كل زمكان.

أخذ ينشد اشعاره ويغنيها كلمة ونغما عجيبا محببا , مدهشا تتخلله من حين الى أخر وجبات من كل النكهات السياسية والاجتماعية والثقافية.

أين يتفق الشاعر والمغني والممثل , ويقف كل هؤلاء على ساق وعلى قدم واحدة في دائرة ضوء واحدة , على خشبة فن ركح الشعر الجيد ومسرح الحياة. او كما يقول :

- أيها الراعي

(هيليكون) , يا (أولمب)

قطيع الجسور يثغوا..............

هذا المساء.

مما نستشف ان الشعر الحرفة سينان - الشعر الجيد حرفة كصناعة الخبز - الثانية ساعدته على التنبؤ بأحوال الطقس وتغيرات المناخ وتقلباته , ومعرفة الموسم الجاف من الماطر, من الخصيب ,من عدمه وكذا الفصول , و أصل وجذع وفرع كل فاصلة وترتيب على جميع المحاور الثلاث. حجرا فحجرا , وشجرا فشجرا , وبشرا فبشرا و جبلا فجبلا , وينبوعا فينبوعا - الجبل كائن حي - او كما يقول بلوتارك.

اذ الحجارة عظامه , والنباتات والأشجار كسائه , والغيوم والأمطار اشعاره.

جاء (كتالوجوس جينيكون ) او فهرس النساء للشاعر هزيود على غرار: (Theogonia) او أنساب الألهة للشاعر الملحمي هوميروس كدليل او خريطة أوندراغوجية للولوج الى كون أصل او انساب النساء اللواتي استطعن أن يغوين الألهة , ويتحرشن بهم , رغم جلالة القدسية وواجب التحقظ التي كانت تحفهم , نقتربن منهم أكثر , وتعزفن على وترهم الحساس القلب والحب والجنس المقدس منه والمدنس.

في الفهرس أنزل الشاعر الألهة من عليائها ومن كبريائها , جعلهم يمزحوا , ويلهوا , ويسطوا على النساء , ويتزوجوا النساء. أن يمتازوا بما امتاز به البشر , لا أحد منهم منزها عن الأخر ولا غير معصوم من الخطأ والخطيئة.إذ الخطأ اصيل بالذات البشرية , يمكن التقليل منه لكن لا يمكن القضاء عليه.

وبالتالي استطعن هؤلاء النساء أن ينجبن بنينا وبناتا من صلب الألهة , نصفهم إله ونصفهم الأخر بشر او ما بينهما او أحد الطرف ذات الصفة الوراثية الغالبة او القوة القاهرة المكتسبة منها والفطرية.

- النساء والكون :

نظر هزيودوس شأنه شأن كل القبائل اليونانية البدائية الى الكون , ثم نظر الى السماء و الأرض فجلهما وقدسهما ,وسمى السماء (أورانس)/uranus , وسمى الأرض (جيّا)/Ghea وما بينهما سوى الظلام الدامس او اللارؤية يسمى (العماء)/Shows . تقول الأسطورة : استطاع أن ينزل السماء من عليائها وتتلاقى وتتزوج بالأرض عند خط الأفق , أين يفنى وينتهي الزمن. يتزوجا عن طريق (الحب) : Eros . يتصف بأنه إله أعمى ونصف مجنون - خبط عشواء - لايفرق بين فقير وغني ولا بين إله وبشر ولا بين أمرأة ورجل. كان على أثر هذا الزواج أن أٌنجب العديد من الألهة على وجه الأرض , بعضها حيّر وبعضها شرير جبابرة/Titanus .

كان (كرونوس) , إله الزمن الظالم ويتزوج من الإلهة (ريّا) وأنجب منها الفتى جميل الوجه وسيم النضارة (زيوس) , ولما عاد من ملجأه ولما كبر وبلغ أشده وشدّ أزره تزوج من الإلهة (تيميس) , ومن هذا الزواج اللاهوتي كان المنطلق والمطلق في انجاب العديد من القبائل اليونانية التي أصلها وفصلها وفرعها نساء , تزوجن ألهة في بادئ الأمر.

هذا الزواج الكوني والخلقي : فكرة حلول الزمن أو تغلب الزمن على طبيعة المكان. تعد مرحلة هامة من تاريخ الفكر البشري , كما توصل الى حقيقة فلسفية هامة ان المكان يقع تحت حس وشعور الانسان,اما الزمان فهو فكرة مجردة.ممأ أنفرد الزمن بالسلطة.

وعندما تقرأ اشعار هزيود بالفهرس ستجد أن زيوس هو سيد النظام.كما توصل الأغارقة الى فكرة فلسفية أخرى , الى مبدأين هامين أساسيين فلسفين : مبدأ الخلق و مبدأ النظام الذي يسود الوجود.

كما ان ظهور ووجود (بروميثوس) كمخلص وكمنقذ - جد البشرية او أبا البشرية - بروميثوس مقيّدا/وبروميثوس طليقا او حرا , ساعد وانقذ زيوس انتصاره على العمالقة.

هو بالأساس فلسفة انتصار على قوي الطبيعة . أي الانتصار على المادة.انتصار فلسفة الخير.بمعنى الانسان خاضع كل الخضوع الى ارادة الألهة , لا يفعل الا ما يريده وليس له اختيار في شيئ.

ولكن كيف يعقل ان يخضع (بروميثوس) رائد الحرية والانطلاق الى ارادة زيوس ؟

فكرة بروميثوس : الانسان ارادة حرة , وانه مسؤول عما يفعل.

حتى اذا ما تنازل الطرفان (زيوس - بروميثوس) من بعض مما فيهما , وجنحا الى التعقل طرف زيوس وطرف بروميثوس , أي التوفيق بين (الجبر) و (الإختيار).

ومع الأيام أتخذت الألهة وفي ظل التقدم الحضاري وزيادة الوعي الاجتماعي اليوناني صفات بشرية , بمعنى الانسان حل بالوجود , والإله حل بالإنسان. لنتوصل بالأخير الى صفة أخرى فلسفية : مبدأ او صفة الحلولية , ومن حيث الحب وطن الحلول.

لذا أوعز الباحثون والدارسون أن ديانة (زيوس) ديانة بشرية , كما أعتر الأغارقة في مجرى تاريخهم الإنسان : أهم شيئ بالوجود.

كما ردت الاعتبار لشيخ القبيلة احتراما ومنزلة دينية ودنيوية الى درجة التأليه والرفعة السماوية كما قال افلاطون.

لذا رتب هزيود نسب هذه القبائل للأمهات (النساء). واذا كان جد البشرية او أبا البشرية برميثوس , ثم (ديوكانيوف) أحد احفاده , جد القبائل المقدونية والمجنسية. اما (بيريا) فهي جدة القبائل الدورية والأيونية و الأليونية , وهكذا ينظم هزيودفي هده القصيدة الملحمة , هذه القبائل اليونية ونسبها ترتيبا مسطرا الى الالهة ولدوا مع علاقة مع البشر كهيراقليس. لذا لم يخف افلاطون اعجابه بالشاعر الملحمي هزيود. فكان يرى فيه شاعر بوعي وفكر الفيلسوف وعلم ونباهة , واستشراف وتنبؤ المؤرخ , أين تتلاقى فيه مجموع قوى الشاعر , الرائي , الجوّاب , الفيلسوف , المؤرخ , والمحارب. المكون الأساسي للشعر , الفلسفة , والتاريخ.

حرية وخيال وفكر وموثقا للحطة التاريخية.

وهكذا أبى هزيود إلا أن يعيش هكذا حرا طليقا كالكون , كالعماء , كالحب , وكقصائده الشعرية الملحمية , بعيدا عن القوالب الجاهزة النمطية (الأرشفة) , الأرشيف الحي منه والميت داخل دهاليز أقبية الادارة النمطية. بل فصل أن يعيش حياة شاعر ملحمي في قلب وصميم مجتمعه مدافعا متعاضدا مناضلا ومحاميا. ذكيا حساسا وعمليا. يريد لما في دماغه من تصور ذهني , ولما في يده من مهارة , ولما في قلبه من أحاسيس وحب , ولما فيه من ايمان واذواق في سائر مواضيعه. ان يلتقي بمضمونه على أرض الواقع. الأرض المشتركة بين الألهة والبشر , بين ألهة الشر و ألهة الخير , وبشر الشر وبشر الخير ايضا.

أرض الكون والحلم والحب والعماء. فيها شرف الكلمة , فيها نٌبل المعنى , وفيها دفء الحياة.

كان الشعر مكافئا له , عينة والحياة الاجتماعية من عمل وقضاء وعدالة شيئ واحد. فأرتفعت اشعاره الى مستوى افكاره يسامت كل منهما الإله.

استطاع ان يجعل من الشعر لا تصويرا بل تعبيرا عن الحياة. أن يعايش الطبيعة ويمارس الرعي والزراعة. من حيث الكلمة التي يقولها الفنان هي الكلمة التي يقولها الانسان , هي الكلمة التي يقولها الإله.

وحتى ان لم يكن فيلسوفا , الا أنه عمل بوعي او من عدمه أن ألاّ تظل فلسفته رهينة ذهنه , حبيسة دماغة. جعلها تصب في مصبه الأخير , تسري في كيان الانسان وأن تتصل بعواطفه ومشاعره بأوثق الأتصال.أن تهز روح روحه. ومن هنا مأمل يقرر مصير الحياة الانسانية., انما هو الواقع الاجتماعي والظرف , و أن ايسر طريق يعمل شيئ يعطي الحياة انما هو الفن . تلك القوى الساحرة الآسرة على تبديد صورة الظلام , القتامة الى صورة اللا متناهي يمنح الحياة.

- من العماء الى العماء :

انطق هزيود ربّات الشعربقوله :

" نحن نعرف كيف نخبر

بأخبار متعددة , كاذبة تشبه الحقيقة

ولكننا نعرف ايضا

عندما نريد

كيف ننطق مما هو حق ".

بمعنى كان هزيود شاعرا حداثيا سابقا لقواعد عصره , عقلانيا بالنسبة لمن سبقه من التكفيريين التطهيريين (الكاترسيزيين). كهوميروس أمثولة او نموذجا.

ولما كان لهذا الوجود أن يسود وفق ديالكتيكية درامية شاعرية بما يغني اللغة الشعرية : الصباح الليل , الخير الشر, النور والظلام , الظلم والعدل , الحقيقة والكذب ,....الخ, وحتى يحقق توازن انظمة الكون عند طرفي نقيض ألوان الطيف/قوس قزح العدالة والقانون والواجب.

ولما كان الحكم ايضا اتزان بالمقام الأول , لا بد ان تخضع جميع السلطات الى القانون والعدالة , وحتى ان كان الحكم عند الاغريق يوصف بالكنز. يجب أن يجد الفقراء والسفلية من الناس سبيلهم الوصول الى هذا الكنز الحكم او الحكم الكنز. , و أن يجدوا انفسهم فيه. وحتى ان قال هزيود : " الفقر ديّة الكسل " .

لذا تراه يسعى في جل اشعاره الملحمية مجاهدا ليجد عدالة وحكامة جديرين بالحياة. اذ يقول :

- هم منحة من (زيوس)

اله النظام

وان الشاعر المبين

هو منحة من (أبولو)وكلاهما يحتاج ان يتعلم ويتمرن

علي يد ربّات الشعر ".

كون الكلام الجيد حلو ومفيد لكليهما للشاعر والقاضي معا.

الكلام نعمة حينما يكون في مكانه.(كان دائما يتلكلم حين لم يكن أحدا يريد ان يستمع اليه) !.

فكرة الظلام والعماء عند هزيود , فكرة اساسية , مكررة في جميع ملامحه المطولة. ونحن نعلم مدى الظلم الذي تعرض له الشاعر وحرمانه من ارث والده من لدن أخيه الأكبر , الذي بدده و أفسده فيما بعد. وحتى عندما اشتكاه للعدالة لم تنصفه هذه الأخيرة , فتاه وهام منكبا على وجهه بالخلجان و الأودية و سفوح

الجبال يعلم الناس, ويمتعهم , ويهزهم , ويفيدهم بأشعاره, على أساس الملك هو العدل والظلم ظلام لا يفيد.

بالمقابل وهب ومنح وورث الباحثين ميراثا لا ينضب ولا ينقضي بأي حال من الأحوال ومن حيث : " الخرافة ميراث الفنون " كما يقول (نيكولاس فريده)

لاشيئ اذن بين السماء والأرض سوى العماء . او كما يقول.

يتميز على غيره من شعراء الملاحم بإستطراد القصائد . استعارة , ينام بملء عيونه عن شواردها....

اذا كانت فكرة جداول النساء او فهرس النساء اصبحت معروفة لدى هزيود , فهناك فكرة أخرى لا يمكن المرور عليها مرور الكرام : فكرة العماء : تلك الترديدة/الترنيمة التي توشك ان تتكرر لفظا ومعنى. في جل الأشعار الاغريقية الملحمية والدرامية بشقيها التراجيدي والكوميدي , ونظما ونثرا.

العماء سواء كان مصدره اختلال حاسة النظر الفيزيولوجية او الطبيعية , مرده الى الطبيعة. يعبر عنها في شكل كناية او استعارة او انها كتابة تحمل لبوسا او تشبيها مع التحفظ.

فالشاعر هوميروس كان أعمى , و أوديب ملكا عاقب نفسه بالعماء , وتريسياس الكاهن الأعظم ايضا أعمى , والعديد العديد من الشعراء , وابطال الملاحم والدراما الاغريقية كانوا عميانا. او انهم فقدوا ابصارهم في مجرى حياتهم تحت أي سبب من الأسباب. سواء وٌلدوا هكذا... او اصيبوا بعاهة ما... او بعقوبة الهية كحالتى (أوديب ملكا) او (أياس).

لذا جاءت كلمة ارسطو موازية لهذه الحالة : " ان سلمت البصيرة فلا أحفل بقواعد البصر" !.

غير أن هذه الاساطير (الهزيودوسية) , تٌفهم على أنها استعارات من المظاهر الطبيعية الأرضية السماوية , كانت معروفة بالإضافات والتراكم المعرفي الخبراتي المتوارث المجرب أبا عن جد , وكابرا عن كابر منذ القرن (- ق.م). أي أن الالهة ونصف الألهة والأبطال المختلفة ترمز الى عناصر طبيعية مختلفة فإله البحر (بوزيدون) هو الماء , وإله الخصب والزرع والثمار والحصاد والخبز هو (ديميتر) , و (أبولو) : هو (النار) , و(هيرا): الهواء. اما الأرض (Ghea) تمثل (ايدونيوس) : إله العالم السفلي.

هؤلاء جميعا وغيرهم , لا يعدون ولا يحصون , تجسيدا لحقيقة طبيعية , وان تكن , كما يشبهها, متنكرة في لوغوس او لوبوس فني مدهش مذهل هائل او كما قال (بوكاشيو).

يلون الطبيعي بفعالية ما هو خارق للطبيعي او كما يقول (تشيز).

أي وجود قوة تأثير عليا بالشيئ. تسمى اصطلاحا بالسلطة الأدبية (المانا) , السلطة الفنية التي انبثقت عنها شرعية (الماناليزم).. لذا لا غرو ان خاطب (أوديب) تريسياس في نص الشاعر الدرامي (صوفوكل) :

" يا تريسياس كنت تحسدني على ضوئي , فأردت أن تجرني الى ظلمتك , لقد عاقبت عيناي اللتان لم تبصرا لي الطريق , منذ اليوم لن تستطيع أن تستطيل عليّ بما يمنحك العمى من تفوق " !.

كل كلمة من مجموع (أيّا) المجلدات التسعة من مجموع المكونة لفهرس النساء , كل مجلد بألف بيت , تخص قصيدة مجمدة من الفعل الدرامي ونقيضه. ومن تناقض الحياة , بل من تناقضات الكون. تماما كما لا يفهم قصائد هزيود إلا من خلال شعراء أخرين , وعصور أخرى سبقته وعصورا أخرى تأتي بعده. كعصرنا هذا الذي اثقله منطقه , وصارت قدرة الانسان تفوق طاقة الانسان.. لم يعد مركز ثقل الكون , بل صار الشيئ المنتج هو المحوركتلة ومساحة وحجما ولونا.

العماء فوق قوة السلطة السياسية عند (أوديب ملكا) وسلطة (كهنوتية) دينية. عماء (Shows) بين قوتين كونيتين , متطاحنتين منذ الأزل بين السماء و الأرض. يفصح فيهما هزيود عن طبيعته الدينية , اللاهوتية , وعن عقلانية فكره. فهرس النساء تهتم بحياة الانسان كما تهتم بنظام العالم المرئي , فإن الولادات تعيدنا الى الأراء الكونية , عندما ربط هزيود بين سلالة الألهة الحاكمتين الأيويين الأوليين السماء والأرض وما قبلهما. كان يتحدث ارسطو عن العماء كمكان خال , بلا رؤية , أين تفقد حاسة النظر وظيفتها الفيزيولوجية والأونثربولوجية وتداعياتها على الحواس الأخرى , ودلالاتها الأخرى الفنية والأدبية الفلسفية.

لا شيئ بين السماء والارض من غير العماء. ورغم انه كان لا يرى شيئا بين السماء والأرض , إلا انه تساءل هل تمة شيئ هو بداية الكون والفساد ؟ هو نفسه لا بداية ولا نهاية له ولا كون له !.

العماء عند هزيود حكمة , يملكه كقوة , كهبة , وكإله. يجرنا الحديث ايضا عن الوسيط بين السماء والارض الحب (Eros) ونصف مجنون , هو من ربط ووطد العلاقة الغرامية بين السماء كذكر والأرض كأنثى , فتزوجا وانجبا بنينا وبناتا , والليل والنهار يسمى زمن او وقت او كرونوس ( Cronus ).

لذا صٌنف الحب كأقدم إله عرفته وشهدته الميثولوجية الاغريقية .

تماما كما كان يفتخر افلاطون بأن جبهته مليئة بالتجاعيد لأن حياته كانت حياة جهد وشقاء وتوتر عنيف..

ان فهرس النساء ورغم ذاك التسطير عن قصد وترصد الذي أراد به الشاعر ما لا يليق بالنساء , وكتالوج وجبات غدائية , كذاك الذي يقدم بالمطاعم الراقية اليوم او بالفنادق الفخمة , الا بالمقابل يكتشف الدليل/الفهرس/الكتالوج/الجدول عن الأصول الملحمية الشعرية القصصية المطولة مزاوجة بين الفن والفلسفة , بين الشعر ومحبة الحكمة (فيلو-سوفيا) , وبين القوة واللجوء الأخير الى الحكمة , وبين الأسطورة والخرافة كحيلة للوصول الى حقيقة ما , من أجل اللا تبقى تلك الأفكار حبيسة الأدمغة. انما يجب أن تخرج في شكل عملي عملياتية في قالب شعري محبب للأنفس , نسعر فيه بقوة وبقرب من حياتنا ,وبإمعان في تفهم مشاكلنا في نغم جميل , له وقعه على القلوب الصادمة وقعا مباشرا.

وكما في البداية تكوّن الكون , تكوّن ايضا العماء , ثم الفن , ثم الحياة , كون الحياة هي التي تقلد الفن.اذ لا أحد في مقدوره ان يجمع بين كل هذه المتناقضات في توليفة واحدة من غير الفلسفة منها واليها وعن طريقها ومنها من جديد كتغذية راجعة.

لذا نجد (زيوس) سيد النظام حاول أن يقود العالم متتبعا الحكمة المستفرة برأسه , ولكنه شعر بثقل هذه الحكمة وناء بحملها , فأستدعي اليه الإله (هيفياستوس) الحداد الأعرج الذي كانت تضحك منه الألهة . وطلب منه أن يشج رأسه ببلطة , فخرجت منه اإلهة ( منيرفا) الهة الحكمة , بيدها الرمح وعلى رأسها خوذة رمزا الى قوة الحكمة.

وفي اشارة ضرورة ايضا أن تعرف طريقها الى حياة الناس تفكيرا وتغييرا , موقفها من النهر أن ينظم مجرى النهر , وموقفها من شجرة الفاكهة ان يقلم الشجرة , موقفها من المجتمع ان تطرح تساؤل التفكير والتغيير الشامل الكامل الأعم .

أن تعلم, وتؤدب , وتخلق وتؤنس الناس من جديد. والطريق الأسلم للوصول الى هذا كله ان تركب نهج الفن ليست محاكاة وانما جنبا الى جنب.

فلسفة تقترب شيئا فشيئا من هموم الناس ومتى وضٌح كل شيئا صارت تاريخا.

رؤى الفن الزمكاني أعمق و أخصب بما لا يقدر من رؤى الفلاسفة , لأن الشعر مرتبط ابدا بالأسرار الانسانية الأولية و الأزلية , بينما تغدو الفلسلفة أقرب الى التاريخ متى وضح كل شيئ. وتغيب فلسلفة ولم تصبح فنا. الفلسفة تفكير الانسان في هذا الكون في مرحلة معينة من التاريخ. بيتما يتناول الفن ما يعرفه الانسان عن الكون. وما عرفه أبدا , شعوريا او لا شعوريا. الفلسفة محدودة بزمن كالتاريخ اما الفن فهو النشاط الانساني الوحيد الذي لا يطاله الزمن. انه خلوده الوحيد , الفن الجاد , نفي اللحظة او أية وحدة زمنية.

Quod omnta philosophorum dogmonta sub fabulis continebantur.

بمعنى الأغارقة الأوائل قد جسدوا مبادئهم الفلسفية في الأساطير/الميثولوجيا , كما أن الأدب عموما الحقيقي يضم العديد من الفلسفات دون فلسفة او كما يقول فرانسيس بيكون.

لم يتأخر هزيود من يخضع الفن والفلسلفة والتاريخ ضمن انابيب وحواجل وقوارير كيميائياته وسيميائياته على طاولة مخبر او ضمن مكينة ورشة : كيفية صنع حجر الفلاسفة من جديد , كأن يمزج (دافني) او الغار الرطب الطيار مع (فينوس) الحار الجاف حتى يجمد المزيج , ثم اضاف قليلا من الماء العذب , وغسل بلبن العذراء.

يحيل كل تضارب الى اسطورة ذهبية , تلك الأسطورة التي تمكننا أن نقضي حياتنا بذكاء وبحضور النمط المفرح..

صناعة (الحجر) بإضافة وسيط كيمياوي السعر , غايته أن يعرف ماهية العلاقة بالانسان هذه والكون. غير ان الشعر قد لا يعتبر تاريخا او اسطورة او تاريخ هذه الأسطورة.

الشعر نوع من تلك (الأنا) واطلاق سراحها وارتفاعها بفخر الى الكون.

هزيود جاء بعد مرحلة الحلم ومرحلة الشعر, بعد سن الثلاثين وصار فيلسوفا حتى قبل نشأة الفلسفة. لم يعد يعبر عن نفسه بالحلم فحسب , وانما عبر الصور , بل بالفكرة. ضمن الوسائل والسبل للتغلب عن الغم والحزن. أي الارتباط بين وحدة الشاعر العضوية والخصائص السحرية للصورة.

وكما يمكن مؤارخة الأسطورة و احالة الأسطورة الى تاريخ , وفق التصعيد او التسامي الحقيقي الى المشكوك فيه.. وبالتالي فإن نفخ الأسطورة بالتاريخ قد اكتمل بدمج التاريخ بالأسطورة. حتى اذا ما حاول المؤرخ وضع حل تفسيري مقدس لحدث ما حدث.فيصبح المؤرخ بشكل ما طوعا او كرها , ائتلافا أم اختلافا واضع اساطير.

وبالتالي لا يمكن فصل (زيوس) عن طبيعته الأسطورية او زوجته عن طبيعته البشرية. لذا يزمع الدارسون ان الأسطورة رحم التاريخ او بعض من الشبيه بالتاريخ , فيها رحم الفلسفة او بعض من الفلسفة. فيما اعتقد الناس بأنه حدث بالفعل.

ولكي تكون لدينا فكرة عن حضارة ما , يلزمنا تاريخا وشبيها بالتاريخ او كما يقول (كرانت).

أخيرا/

بإمكان أن نتساءل : كم أحبّ عميد الأدب العربي : د.طه حسين الأدب الإغريقي , بشقيه الشعري المنظوم والمنثور , الدرامي منه والملحمي , وكم أحبّ كتابه وشعرائه , وكم أحبّ ابطاله الأسطوريين ,وترجم اعمالهم من لغتهم الأصلية او اللغة الفرنسية.

كونهم شاركوه فقدان البصر ونعمة الفكر والفلسفة.

لقد أحبّ الشاعر الملحمي هوميروس و أنجدب اليه كونه كان أعمى , و أنجدب الى أوديب ملكا و أوديب قضى نهاية عمره أعمى , و أحب تريسياس الكاهن الأعظم وكان تريسياس أعمى.

هذا من جانب . من جانب أخر لماذا لم ينجدب الى (هزيود) رغم انه كان شاعرا ملحميا لا يقل ابداعا وابداعية وشاعرية عن هوميروس , كون هزيود لم يكن أعمى , ثانيا : الذي بحث وعثر على أثار الشاعر هم باحثون ألمان و إيطاليون ؟!.

رغم أن جل هؤلاء الألهة وانصاف الألهة والأبطال من وحي مخيلة الشاعر الملحمي هزيودوس او هزيود.

قد نتفهم المرجعية والخلفية الثقافية الحضارية الفرنكفونية للدكتور طه حسين , وانتمائه اليها عاطفيا ووجدانيا أكثر منها انتماء ذهني او عقلي عقلاني متفهم

المراجع/

- بواكير الفلسفة من الميثولوجيا الى الفلسفة عند اليونان/د. حسام محي الدي الآلوسي

- كتاب الحضارات/د. لبيب الساتر

- المذاهب الكبرى بالتاريخ من كونفوشيوس الى تونبي

- Myth/K.K .Ruthven

* كانت هذه أخر دراسة اقوم بها في الأدب اليوناني , أصارحكم القول : مدى الثعب والشقاء الذي نلته من جراء كتابة كل هذه المقالات الجادة الواعية التي تخدم المثقفين وانصاف المثقفين معا , ونظرا ايضا لقله المراجع في هذا المجال بالجزائر لظروف اجهلها , عندما تعيب حضارة بأكملها عن الجزائر منبرا اعلاميا وعلميا وحتى ثقافيا..

شكرا على المتابعة , واستسمحكم ان كنت قد اثقلت عليكم بهذه الاغريقيات (.....) كالعاشق الولهان كلما هربت منها وجدت نفسي فيها...أتمنى ألاّ أعود اليها يا رب !.

TAG

عن الكاتب :


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *