الخلاص الأدبي والفني والثقافي والتربوي الرجوع الى الكلاسيكيات
العقيد بن دحو
كم يعجبني أديبا أريبا جزائريا , او فنانا لبيبا
, أو مفكرا مثقفا حصيفا فصيحا ثقف لقف , وهو يطلعني على أخر ما كتب او أخر ما قرأ
, وليست الكتابة كالقراءة حتى ان حاول البعض التقارب والتجانس فيما بينهما.
يعجبني , وهو يسرد عليّ شيئ مما جادت به قريحته او
ملكته الابداعية او بحثه الجاد , حتى أكتشف أن جوفه فارغ من أي أثر كلاسيكي عالمي
, ثم يسقط من عيني....!.
ربما أكون ظالما للرجل , وهو المسكين يكاد , ويوشك
ألا يسمع عن ألهة الإغريق , ولا انصاف الألهة , ولا عن ابطاله الأشداء العظام , الشبيهين
بالقضاء والقدر , والذين لا يهزمون أبدا.كم أشفق على حال هؤلاء الكتاب و الأدباء والفنانين
ولا سيما مدعي الحداثة وما بعد الحداثة منهم , وهم لا يعرفون مثقال حرف عن (هوميروس)
, ولا عن ( فرجيل) , ولا عن (هزيود) , ولا عن ( الفردوسي) , ولا عن (صوقوكليس ) , ولا
عن (يوريوبيدس) , ولا عن (أسخيلوس) , ولا عن , عن, عن .... وعن.....!.
كم أشفق على حالهم ووسائل الإعلام المريضة بمرضهم
, الخفيفة منها والثقيلة , تنعثهم بأصحاب الكلام , والأمراء والأمناء عليه الذين لا
يشق لهم غبار , حتى سميوا بالسادة أسياد الكلام (السيد كلام والسيد صمت) كما يقول برناد
شو.
وهم لم يطلعوا يوما إئتلافا أم اختلافا حول تلك الأثار
الخالدات من روائع الفكر الانساني , وما ابدعته العبقرية الانسانية في مجرى الزمن والتاريخ...
والشبيه بالتاريخ.... وما قبل التاريخ.... والصفر التاريخي , هذا ان كانوا درسوا او
تعرفوا عن هذا المسرد والتسلسل والمتتالية التاريخية الزمنية.
لا يعرفون لا (الأوديسة ) , ولا (الإليادة) , ولا
(الإنيادة) , ولا ( الشاهنامة) , ولا (المهابهارته) , ولا (أونتجونا) , ولا (إلكترا)
, ولا (أوديب ملكا) , ولا (فيلوكتيت) , ولا (أياس) , ولا العديد من تلك الروائع الانسانية
الملحمية والشعرية والدرامية , والنثرية منها.
الذنب ليس ذنبهم - ان عرف السبب بطل العجب - و أنت
تتفحص وتتصفح الكتاب المدرسي الأدبي واللغوي بجميع لغاته واطواره الدراسية , وتكتشف
مدى الفقر المقصود والمستهدف و(فيها إنّ).... والكتاب يخلوا من أي رائعة انسانية ,
لا الأسطورة اليونانية , ولا الخرافة البابلية , ولا التراث الروماني الإيقوني كالرسم
والنحث او الموسيقى.
من أين يأتي لمبدعينا سواء اولئك الذين صنفوا (بالكبار)
او أولئك الذين ينتظرون (النفخ بالأوداج) والانتشاء الكاذب , على غرار نفخ العجلات,
القدرة الخلاقة على الخلق وبث روح الجمال وهو فاقده شكلا ومضمونا , يفتقده في بدنه
, مأكله , وملبسه.
الأديب او الفنان الجزائري او الأديب او غيره فقير
بالسليقة , ولا شيئ يأتي من الفقر إلا البؤس والحرمان والعقد النفسية الطاحنة , وليتها
كانت عقدة أوديب لحل لغز من ألغاز حياتنا اليومية.
الخلاص والحل أن يعود الكتاب المدرسي الى الكلاسيكيات
الاغريقية , الرومانية , الفارسية , الهندية , الاسلامية , العربية , ختى ان كانت تختلف
معنا بالعرق والبيئة والتاريخ.
العلم ليس حرام , الأسطورة الاغريقية ليست حرام
, وليست شركا بالله , ولا هي لاهوتية مسلمة على الناس اجمعين.
ندرسها كفن وكثقافة كأثر علاجي فني لما أصاب فنوننا
و أدابنا وفكرنا من شط وعط ومط كما يقول الدكتور طه حسين , على أمل أن يخرج لنا جميلا
حصيقا لبيبا , لا ينتظر جواز سفر حج من أحد , ولا تأشيرة سفر , ولا من هذا القبيل ولا
ذاك.
فقط قليل من الحرية , وبث روح التسامح العالمي الحضاري
بالكتاب المدرسي , والابتعاد عن الطللية و المدحية والعاطفة الوطنية بالكتاب المدرسي
, حتى اضحى اليوم من ضمن النشاطات الصفية , ويموت تلميذ اليوم رجل الغد , ويموت أديب
اليوم , ومفكر اليوم , ومثقف اللحظة , وهو غريب كل الغربة عن الأداب الانسانية لما
قبل الميلاد.
يقول (هوراس ) الروماني ناصحا تلاميذته : "
أتبعوا أمثلة الاغريق واعكفوا على دراستها ليلا كما اعكفوا على دراستها نهارا
".
ويقول هوراس ايضا : " يضيق كل أدب وفن بذات
نفسه ان لم تلحقه نفائس الأداب والفنون من اجناس أخرى لتهز الخلق من ديباجته
".
ويقول (فرانسوا كروازييه) : " ان في خيال اليونان
فكرا , وفي شعوره روحا , وفي شهواته رويّة , فأنتج أدبا انسانيا تشعر فيه بقوة وبقرب
من حياتنا وبإمعان في تفهم مشاكلنا في نغم جميل محبب الى النفس , له وقعه على القلوب
الصادمة وقعا مباشرا ".
كم يعجبني هذا المبدع او الموهوب وأنا اقرأ له على
مضض - مجبر لا بطل - ماجادت به قريحته او كما تهيأ وتخيل له , حتى اذا لم نجد فيه شيئ
من الكلاسيكيات العريقة سقط من عيني , ورٌحت ألوم المدرسة والكتاب المدرسي حسيرا كالظل
الذي يطارده هجير الصمت والسمت أكثر من أي أخر , وبيئتنا تشهد كل هذا (الكورونا) قبل
وأثناء وبعد (الكورونا) !.
